تعد التربية العملية إحدى متطلبات التخرج لطلاب الجامعات, ولحسن الحظ فقد أكرمني الله بأن أعانني للوصول إلى هذه المرحلة, ولجعلك عزيزي القارئ على بينة فأنا مطالب بتقديم 12 محاضرة أو حصة كما هي في العرف الدارج بين التربويين , ولكن لوجود اكتفاء ذاتي في المدرسة التي وجهت إليها فقد كلفت بتدريس أحد الفصول من المرحلة المتوسطة أو بالأحرى الثالث متوسط لغة انجليزية بحكم التخصص وذلك من خلال 4 حصص بمعدل حصة واحده يوميا طيلة الأربعة الأيام الأول من كل أسبوع، ومن هنا فسأبحر معكم لأسرد يومياتي وأنقل لكم تجربتي أتمنى أن تكون ممتعة لكم ولي وأن اخرج منها وإياكم بفائدة تعود علينا مستقبلاً:
اليوم الأول:
إنه يوم السبت الموافق 28-10-1430 هـ، استيقظت تمام الساعة الخامسة والنصف صباحاً، ولما لا!! فهو أول أيام التطبيق العملي فعلياً، ولا أخفيكم سراً فالمسافة من منزلي إلى المدرسة تتطلب قرابة النصف ساعة لذا فأنا ملزم بالخروج مبكراً تحسباً للحوادث كفانا الله وإياكم شرها.. تحركت من المنزل عند السادسة تماما وبتنسيق مع احد الزملاء وصلنا سوية إلى هناك، دخلنا إلى مكتب مدرينا الجديد في لمحات ملأها التفاؤل والأمل، بالفعل حضينا بحسن الاستقبال وأجلسنا على الأرائك، في انتظار كشوف الحضور والانصراف أن تطبع، وذلك لكونها ستكون مؤقتة نظراً لأن المدرسة على وشك الانتقال إلى مبنى حكومي خلال الأسبوع حسبما وردنا، بالفعل بدأنا في مراقبة المدرسين وكيفية بدأهم ليومهم، فبين مستبشر فرح وبين متأخر يمشي وكأنه يساق إلى الجحيم، نعم لقد حالفنا الحظ بان أعفينا من حضور الاصطفاف الصباحي نظرا لوضعنا الجديد، وأتت كشوف التوقيع، بعدها استلمنا الجداول والكتب وفوجئت بأنّا ملزمين بالحضور من السادسة والنصف وحتى نهاية الدوام عند تمام الواحدة، إلا أن إيماني بأن الأنظمة يمكن اختراقها سلاني وخفف من وقع المصيبة ، وكيف لا تخترق وأنا غير مطالب إلا بحصة واحدة يومياً فيما عدا حصص الانتظار، بعدها انتقلنا إلى غرفة المدرسين أو بالأحرى ” المجلس الأرضي” لنجد قرابة الخمسة من المعلمين يتبادلون النكات والهزل لتضييع الوقت إلى أن تأتي حصصهم، جلسنا فإذا بمتشدق يسخر، وإذا بناصح يوجه، بالنسبة لي سمعت ما أردت أن اسمع وأدليت بدلوي، ولم ألق بالا لما عدا ذلك، نظرت إلى جدولي فأدركت بأن الوقت طويل إلى أن تبدأ الحصة الرابعة حيث أعمل، فسألت أحد المدرسين الشباب عن كيفية النظام فاخبرني بأن المدير شديد في تعامله وحريص على إتباع التعليمات … الخ فما كان مني أنا الفقير إلى رحمة ربه إلا أن غادرت المدرسة بإذن مني أطال الله بقائي، على أمل العودة إلى المدرسة عند الساعة 9 و 35 دقيقة صباحا، بالفعل اصطحبت 3 من الزملاء واتجهنا إلى مطعم يسمى بيت السندوتشات ويا له من مطعم أو قد أكون مخطئ في حكمي حيث أن الجوع يقوم بدور فعال أحيانا، عدنا في تمام التاسعة والنصف وبعدها بقليل قرع الجرس إيذانا لي بالتوجه نحو الفصل 3 -1 ، تأخرت لمدة دقيقتين عمداً لحاجة في نفسي، وفاجأتهم بالدخول موقناً بأن الأهم هنا الانطباع الأول ولا شيء غيره، فأن لا املك أدنى فكرة عما أنا فاعل لكن توفيق الله ثم دعاء الوالدين والثقة في النفس أدت الدور نيابة عني, ساد صمتٌ غريب أرجاء الفصل بمجرد دخولي، وليس بالشيء المستغرب فهم يختبرون النبض، لم أتفوه ببنت شفة إلا بعد أن أغلقت الباب بطريقة توحي لهم بالجدية، وألقيت عليهم التحية فكان ردهم بنفسٍ واحد، بدأت في الحديث باللغة الإنجليزية بعد البسملة وحمد الله، وكان بعض المتملقين يتحدثون في آخر الفصل ليروا ما ردة فعلي، لم ألق لهم بالا وبدأت في الحديث بالعربية وعيني عليهم ، بينت لهم أهمية المادة وبعض الإستراتيجيات التي ستطبق، معرجاً على أهمية المرحلة العمرية التي يعيشونها ومدى حساسيتها، ثم تطرقت لموضوع السياسة داخل الصف الدراسي وأنهم ملزمين بإحضار الكتب كتاب الطالب وكتاب النشاط على حد سواء، بعدها قمت بالتعرف عليهم،لأفاجأ بكون أغلبهم من الأعراب، أستطيع القول بأن 97% أعراب 2.9 % حضر 0.1% أجانب، أخبرتهم بأني سأعطيهم تدريبات جانبية خلال الفصل تكون بمثابة المحفز لهم والرصيد في حال إخفاقهم في أحدى النشاطات الإلزامية، بعدها بدأت بشرح الزمن المضارع البسيط كنوع من المراجعة لهم ، ومن ثم قمت بإعطائهم نشاطاً صفياً، ليكون كالمقياس لمستواهم، وبينما هم يجيبون فوجئت بأحد الطلاب يلمز زميله بكلمة انجليزية مبطنة تحمل معناً سيئاً، وكأنه يقول اجعلني الضحية والعبرة لبقية الطلاب، سألته عن اسمه وطلبت منه إعادة الكلمة إلا انه أدرك معنى ما أرتكب ولم يفعل مطأطأً برأسه، بعدها سألته تسميع الأحرف الأبجدية العربية ومن ثم الإنجليزية لأجده لا يجيدها وكانت كنوع من الإحراج، بالفعل فقد أحرج تماما، بعد ذلك أمرته بالخروج ، هنا طلبني العفو إلا أني أبيت وأمرته بالتوجه إلى مكتب الوكيل، وما هي إلا لحظات وقمت بجمع الأوراق ليبقى أقل من دقيقة على انتهاء الوقت وبالفعل فما أن جمعت أوراقي إلا وقد قرع الجرس، وتوجهت إلى الطالب لأبين له مدى خطأه وانه لا يليق بطالب في مستواه أن يتلفظ بمثل ذلك، وأخبرته بأن الأمر بيدي الآن محذراً إياه من العودة وأنها ستكون الموجعة بالنسبة له، دونت ملاحظة عند اسمه ، وتوجهت إلى “المجلس المبارك” لأجيب على وابل من التساؤلات والاستفسارات حول كيفية إدارة الوقت … الخ ذلك لكوني أول المتدربين فأنا صاحب خبرة كافية حتى الآن، بقينا نتجاذب أطراف الحديث حول المستقبل وما هي إلا برهة..ما هذا؟؟ أهذا أذان الظهر؟؟ .. نعم هو كذلك، توجهت للإشراف على الطلاب في المصلى تطوعا مني، قُضيت الصلاة وتوجهت إلى مكتب المدير لأوقع انصراف قبل الوقت المحدد بحوالي 45 دقيقة.. وهكذا انتهى يومي الأول حاملا بين طياته انطباعات شتى وتجارب حياتية جديدة..
فيما تبقى من الوقت سأعمل على تحضير شيء مميز للغد القريب فهنالك حصة ثانيه تنتظرني..
إلى ذلك الحين دمتم في رعاية الله..