حكت والدتي أني في يوم ولادتي كدت أن أتسبب في وفاتها وكدت أن أموت لاحقاً، وحمتنا عناية الله. لا أعلم إن كانت الحماية أن نقصى عن خالقنا ونعيش السنين الطوال ونكتسب الكثير من السيئات ومئالنا إليه ولاريب. ولكن أليس الأجمل أن نلقاه ونحن لم نعرف السيئة ولا الخطيئة؟
ذهبت قبل يومين إلى عيادة الأطفال بأحد المستوصفات وبينما نحن نسير بالشارع ونهم بالدخول إذا بسيارة تقف فجأة وينطلق منها رجل بدين وقد حمل بين يديه طفلاً منير الوجه ومغمض العينين ومبلول الشعر. علمت أن الأمر طارئ ولم يكن بوسع الرجل إلا أن ينطلق إلى الداخل ويبدأ الصراخ “طوارئ! طوارئ! طبيب أطفال…” وأشارغالبية المتواجدين إلى السلالم العلوية، صعد الرجل وتبعه إثنان بينما كنت أقول لزوجتي “حالة غرق…” سجلنا موعداً ولم أفضّل أن أصعد لغرفة الانتظار بالأعلى وبقيت بالدور الأرضي. خلال برهة تلامع في المكان الضؤ الأحمر فالتفت وإذا بهم رجال الدفاع المدني بزيهم العسكري فخرجت لأخبرهم بمكان الحالة. فكرت قليلاً، أليس من المفروض أن يصل الإسعاف أولاً!
دعوت الله أن ينجيه لهم لأني أعلم أن والداه لن يتحملا أثر الصدمة.
فكرت لو كان هذا إبني فما الذي سيسعني أن أفعل؟ لا شيء، قَدَر وسيمضي!
لم يمهلني الفضول كثيراً فصعدت مع زوجتي وأنا أنظر إلى عتيق وهو ينظر ويتحرك ويتنفس… لما أنهينا صعود السلم قابلنا أحد رجال الدفاع المدني فلما أصبحنا بجانب بعضنا البعض قلت “بشّر، عساه سلم؟” فقال “الله يعوضهم خير” وساد الصمت.
وبدأت الصور تدب إلى رأسي، كل مصادر الماء في المنزل، كل شيء يمكن أن يحقق الغرق للصغار، كل القصص والحوادث التي كنا نسمعها. مررت أمام باب العيادة والطفل ملقى على ظهره فوق سرير الكشف بلا حراك. افترقنا وكل ذهب إلى المكان المخصص به. لم يتبادر إلى ذهني إلا صورة ابن أختي والذي تشبه تقاسيم وجهه ذلك الطفل. تملّكني الحزن ولكني بنفس الوقت كنت أعرف أن ماحدث له خير.
علمت أنهم يتمنون منه قبلة الآن، أو كلمة أو حتى أن يفتح عينيه. كان البكاء خلف الجدار وأمامي كان أخ ينتظر فرصته للدخول على الطبيب وأثناء ذلك كان يلاعب أخته التي أكملت عامها الأول ربما. سخرية، البكاء والضحك، الفرح والحزن، الموت والحياة. كل متناقضات الحياة بينها جدار! وانا لا أدري أأضع نفسي مكان هؤلاء أم أولئك؟ مآسي ملء هذه الحياة. وا عجباً، كيف يسمونها حياة؟
بعد عدة لمحات للممرات المقابلة ومشاهد التحسر والنقاش والبكاء، ذهب الجميع ودخلنا على الطبيب وحين أتى موعد الكشف حملت عتيق ووضعته على ذات السرير الذي رقدت عليه جثة الفتاة، كما أخبرني الطبيب، وأنا أتسائل؟ هل سيأخذه الموت الآن؟ بدأنا عملية الكشف وبدأ في البكاء حتى غار صوته وازرورقت شفتاه، وقلت، ها قد حان القدر. ولكن لازال في عمره بقية، فعاد بصوت يصم وجسد يضطرب. وأنهينا كل شيء وخرجنا وخلفنا عشرون دقيقة تحت الماء، وموت، وجثة استلمها الإسعاف.
أرجوكم، الحزن عليهم يقطع الفؤاد، فانتبهوا لسلامتهم.