خلا الفترة الماضية دخلت في مشاحنات كلامية مع عدد من الأصحاب بخصوص الأبراج. والمشكلة الكبرى أني أحب أن أناقش بهدؤ ومنطقية وتفصيل ولا أجد نفسي إلا أمام من ينفجر بعد ثالث كلمة تنطق. فلا هو يعطيك حقك في الكلام والتبيين ولا أنت تستطيع مواصلة الكلام معه بالطريقة التي أنت ترضاها وتضمن بعدها اقتناعه بكلامك. هنا سأتكلم عن أمور عالقة ومشوشة لدى الكثيرين، قد تجدوني متناقضاً، واقعياً وربما غريباً، فهي مجرد رحلة تفكر.
إن الإنسان خلق من جسد وروح وكان لاكتشاف البصمة الجينية الوراثية (DNA) أثر كبير ومتحقق في التغيير والتبديل ولكنه يتعلق فقط بالصفات الوراثية الجسمانية، أو ربما هذا ما أمكن الوصول إلى تفاصيله وتعديله والذي يحل نصف المعضلة فقط.
وبناء على اكتشاف المخططات -أو المعادلات- الخاصة بالإنسان فقد ظهر بناءً عليها ما يسمى بفحص ماقبل الزواج. لأن هناك معادلة بصدد الحدوث وسيكون لها نتيجة، فلابد للعلم أن يتدخل لتصحيح مسار هذه العملية والخروج بـ”أصحّ” ناتج. فلا يسمح عادة بالبدء في علاقة مشروعة ينتج عنها عاهة مزمنة أو مرض وراثي. وهنا لا نختلف بأن هذا الأمر من ضمن الخيارات السليمة والتوجهات الصحيحة.
وأما أكبر عيوب هذا التقدم العلمي هو وجود جدل واسع حول الآباء والأمهات الذين أجروا عمليات الإنجاب بتقنية الأنابيب. فبعد إتاحة إمكانية معرفة أصل المولود أصبح من المؤلم أن يكتشف الوالدان أنه غرر بهما ولقحت المرأة من غير زوجها أو كانت البويضة لغيرها. وهنا تكون الحقيقة المرّة، وربما المأساة.
وعوداً على موضوعنا، فكل ماذكر أعلاه ناتج جسدي أو بنيوي. ولكن تبقى الصفات الشخصية أو النفسية غير معلومة فالمعادلة النفسية لا زالت خبط عشواء؛ فلا ترى دلائلها المتناثرة إلا من خلال ماتكرر حدوثه. فلا دليل على ارتباط الكثير من الأمور، ومنها البلاهة وطول القامة ولا الخبث وقصرها، إلا الاجتهاد.
والسبيل الممكن حالياً يكون عبر علماء النفس، وملاحظاتهم ورصدهم لردود أفعال الشخص، أو الأبراج. وحقيقة تتميز الأبراج بأنها تعطيك لمحة عن شخصية المولود -بحسب التاريخ- منذ اللحظة الأولى. وعلى الرغم من أنها تتنبأ بنسبة خطأ جيدة إلا أنها تتفوق على علماء النفس الذين لازالوا بحاجة لانتظار المولود حتى يبلغ سناً يمكن فيه رصد ردود أفعاله. ويتبين جلياً مدى تواضع هاتين الطريقتين مقارنة بالبصمة الجينية الوراثية التي تعطيك تفصيلاً دقيقاً -قابلاً للتعديل- قبل الولادة.
ولذا كان من البديهي أن ينجرف الباحثون عن أسرار الشخصيات خلف الأبراج بحكم أن معظمهم ليسوا أخصائيي علم نفس.
وعند الحديث عن الأبراج، موطن الإشكال، فإن المتلقي لها يشعر بنشوة المنتصر والوقوع على كنز مهم. ويبقى السؤال الكبير، بالنسبة لي، إن كانت الأبراج الشخصية علماً معتبراً، فما هو مصدره ولماذا علق بالنجوم؟ أرجو أن لا يقول أحدهم أن ذلك تم بمراقبتها وتأملها لأن النجوم التي تبعد عنّا مئات السنوات الضوئية وتكبر كواكب مجموعتنا بأضعاف الأضعاف لم ولن يصل إليها الإنسان وهو لازال يناوش المريخ على الرغم من يقين البعض أنه لم يصل إلى القمر أصلاً! والمثير في الموضوع أن العلم بني على صفات تلك الكواكب، فمن الذي يعرفها حق المعرفة وأتى بها من هناك إلى هنا؟ أترك لكم الإجابة!
خلال فترة لابأس بها، ظللت أبحث وأقرأ ولم أجد إلا تفرعات لعلم مجهول المصدر فهناك الأبراج الصينية والهندية والغربية وضمن كل برج روابط بنجوم أو حيوانات في محاولة للتوصل إلى تشكيل دقيق وصادق. وفي بعض الصيغ الأخرى، تحسن معرفة وقت الولادة وإحداثيات موقع الولادة للوصول لمستوى دقة البصمة الجينية.
وتظل الأبراج أفضل خيار بالنسبة للكثيرين حيث أنها تقدم ما نسبته 50% وقد تصعد إلى 90% من المصداقية لدى البعض. ولا تسأل عن النسبة المفقودة فهي إما تداخلات بين برجين أو عدم دقة المعلومات!
ويثير البعض قلقي عندما ينظر إلى الأبراج كمسلمات وكأمر حتمي وله أصول ثابتة في “الدين!” أنا شخصياً أطالع الأبراج الصينية والغربية وأحتفظ بمستند تفصيلي عن كل منها ولكن هذا لا يعني أني لا أرى الشخص إلا من خلالها. هناك بديهة تعطيك تصوراً عن الشخص فضلاً عن الفراسة. وءآكد من كل شيء، هناك التجربة، المتابعة والعشرة. كل هذه تساعدك على فهم من حولك. ولكن لا ننسىى أن الأبراج تفوقت بإمكانية تحديد الشخصية منذ الولادة!
الآن ما رأيك لو أوجدت لك وصفاً دقيقاً وتفصيلياً لأي شخص تود سبر أغواره ولكن من خلال الإجابة على عدد من الأسئلة! لعل من الحري بنا الآن أن نتعرف على بروفايلز إنترناشونال Profiles International وهي إحدى شركات تقييم الشخصية. باختصار، اختبار طويل متعدد الأسئلة بعد أن تنتهي منه يقدم إليك تقرير مفصل أو “دليل استخدام” لك! وتأكد بأن هذا الدليل صادق بقدر مصداقيتك ودقيق لدرجة انك لو زيفت فإن النظام سيطالبك بإعادة الاختبار، لأنه لامجال للتحايل.
وأغلب من يلجأ لمثل هذه الجهات هي المنشئات الكبرى والتي تسعى لتوظيف النخبة وبناء قاعدة بشرية قوية لها ذات النمط في بذل الجهد المضاعف، الإبداع والالتزام. أو تكرار بعض القيادات فيها، ولكنها بصور ودماء جديدة. وهذا ما يروق لي أن أسميه الاستنساخ الشرعي، قانونياً، فهذه التجربة تساعدك على اختيار الأكفأ لشغل وظيفة معينة أو ربما الأنسب، نفسياً، كشريك عمر. وهنا أستطيع ان أؤكد لك بأن النتائج ستكون مثيرة حقاً لأن مجال التخمين والفرضيات، الموجود في الأبراج، منتفٍ تماماً. وحين أتحدث هكذا فأنا أؤمن بأهمية العلم الذي يعتمد عليه هذا الاختبار وعظيم مصداقيته وأثر ألا وهو علم النفس.
ملخص:
أهمية اكتشاف البصمة النفسية الوراثية للإنسان بأسرع وقت ممكن.
الأبراج تتميز بتحديد الكثير من الصفات الشخصية بعد الولادة مباشرة باعتبار تاريخ الولادة ولكنها لا تتميز بالدقة. وأيضاً، تظل علماً مجهول المصدر أو الأسس.
علم النفس، علم معتبر ودقيق في تحليل الشخصية ولكن لايمكن تطبيقه، للخروج بنتائج تفصيلية، إلا على البالغين أو من يحسن الاستيعاب والحوار.
الخلاصة: الخوض في صفات الشخصية، أو الانفعالات النفسية، لايزال تكاملياً بمعنى أن علماً واحداً لايكفي لاستشرافه. ولربما كان ذلك لتعدد مشاربه فهناك الفراسة-لغة الجسد-علم النفس-الأبراج وكل منها له مؤيدين ومعارضين ولم نصل بعد إلى أمر فصل يحل الإشكال ويوحد التوجهات.
مسارات متفرعة:
http://www.scribd.com/doc/1954417/125 (البصمة الجينية)
http://www.scribd.com/doc/9714194 (علم الفراسة)
http://www.scribd.com/doc/4621476 (أنماط الشخصية)
http://www.scribd.com/doc/9775641 (لغة الجسد)