يرمز للعلم والخلق الجمّ بالنور أو مصادره المختلفة وحينما تنطفيء الأنوار يكون الموت هو المسيطر. وعلمت الآن أن جدتي كانت على حق حينما كانت تقول: “اقتل النور!” بقصد أن أطفيء الكهرباء في غرفتها. ولكننا قد نرغب في بقاء النور أحياناً كثيرة إلا أن النهاية الطبيعية غالباً ما تخبته رويداً رويداً.
دائماً يجوس الموت في جموع البشر ولهذا خلق، ولكن بعض الموت يكون فجيعة مؤلمة ليس لمن انطفأ النور بين أيديهم، فهذا امر طبيعي، ولكنه لمن يرى عظيم حزنهم. كم من الأشخاص بل النبلاء من قدم الكثير والكثير لخدمة الناس وسطع نوره وبلغ ما بلغ ثم انكفاء على بعضه. وأظلمت بعده الوجوه والأماكن واللحظات. أولئك الأنوار هم الذين يحق للناس أن يصمتوا حزناً على غيابهم وحسرة أن يفقد أمثالهم في وقت يكون الناس في أشد الحاجة إلى نور حقيقي يبدد الظلمات ويوضح المسالك.
أمامي ثلاثة تتبادل صورهم الظهور في مخيلتي ولا أبلغ على تأثر الناس بانطفاء نورهم من توجّد الناس لفقدهم. أولهم، د. محمد البطل الذي توفي قبل فترة. لماذا د. البطل؟ لأنه كان أقرب للأخ من المعلم، كثير السلام والابتسام ورائع الطرح. وبرغم درجته العلمية إلا أنه كان متواضعاً مع طلابه. وعلى الرغم من أنه لم يدرسني إلا مادة واحدة فقط إلا أن نور علمه لازال متقداً في الذهن. وكل من عرفه حزن لفقده وأكثر الترحم عليه.
الثاني، شاب لا أعرف عنه شيئاً ولكن خاله، وكان من أكثر زملائنا بشاشة، أقبل يوماً محمر الوجه ولم يتمالك أن بدأ التحسر على فقيدهم وظل يكرر مناقبه وفضائله وجميل خصاله طوال أيام ولما أمعن في التذكر والذكر ثارت عاطفة جياشة لم تمنع ذلك الأربعيني من البكاء بحرارة ألهبتنا قبل أن نهديء حزنه ونكرر مواساته في مصابه. لم يكن الشاب كغيره بل كان عادياً ولكنه كان رجل سلام. ينشر المحبة والتآخي ويصلح بين المتخاصمين ليس بين أهله فقط بل في أسرته ككل وفي كليته العسكرية التي نعته بغامر الحزن بعد مضي مصلحها.
الثالث، فضيلة الشيخ الوالد، عبدالله بن جبرين الذي توفي اليوم وانطفأ به نور من الأنوار ومشعل من مشاعل العلم الشرعي. وليست هذه التدوينة لإثبات حزن المسلمين عليه بل يوم الصلاة عليه ودفنه سيكون الشاهد.
رحم الله أمواتنا وأمواتكم وغفر الله لهم أجمعين وأراد بنا خيراً في قادم أيامنا.